بعد انقطاع دام أربعة عشر عاماً، عاد أسبوع الموضة في مسقط ليؤكد أن الأزياء في سلطنة عُمان ليست مجرد صناعة جمالية، بل خطاب ثقافي متكامل يعكس الهوية، ويواكب التحوّلات العالمية، ويصنع جسورًا بين الماضي والمستقبل. ومن دار الأوبرا السلطانية مسقط، أحد أبرز الصروح الثقافية في المنطقة، انطلقت فعاليات نسخة 2026 ضمن إطار ليالي مسقط، في حدث امتد من 12 إلى 15 يناير، جامعًا المصممين، والخبراء، وصنّاع القرار، في احتفاء متكامل بعالم الموضة والجمال ونمط الحياة.

عودة تاريخية برؤية متجددة
يمثّل أسبوع الموضة في مسقط محطة مفصلية في تاريخ الأزياء الخليجية، إذ انطلق للمرة الأولى عام 2011 كأول أسبوع موضة في منطقة الخليج العربي، واضعًا المصممين العُمانيين والعرب على خارطة الموضة العالمية. ومع عودته في 2026، يأتي الحدث بحلّة جديدة ورؤية أكثر نضج، تقودها المصممة العُمانية أمل الرئيسي، المؤسسة وصاحبة الرؤية الإبداعية، التي نجحت في إعادة صياغة مفهوم الأسبوع ليكون منصة تجمع بين الإبداع المحلي والانفتاح الدولي.
وقد حظيت هذه النسخة بدعم رسمي من وزارة الثقافة والرياضة والشباب وبلدية مسقط، في تأكيد واضح على التزام السلطنة بتعزيز الصناعات الإبداعية بوصفها جزء من الاقتصاد الثقافي، ومكوّن أساسي من الهوية الوطنية المعاصرة.
التراث العُماني في حوار مع الاتجاهات العالمية
تميّزت عروض أسبوع الموضة في مسقط بتقديم رؤية متوازنة تجمع بين التراث العُماني والاتجاهات العالمية الحديثة، حيث حضرت الرموز التقليدية، والأقمشة المزخرفة، والتطريزات اليدوية، ضمن تصاميم عصرية تحمل خطوطًا واضحة وصور ظلية مبتكرة. هذا المزج لم يكن شكلي، بل جاء كحوار بصري يعكس قدرة المصممين على إعادة تفسير الموروث الثقافي بلغة تناسب الذائقة العالمية.
وقدّمت المصممة أمل الرئيسي مجموعة عكست هويتها الإبداعية الخاصة، بالتعاون مع دار المجوهرات العالمية Charles Oudin، حيث برزت التفاصيل الشرقية الدقيقة ضمن إطار معاصر أنيق، محققة توازن متناغم بين الأصالة والحداثة. كما شهد اليوم الأول مشاركات لافتة لكل من منى الكعبي وفايزة البلوشي، اللتين قدّمتا تصاميم ذات هويات واضحة وحرفية عالية، تؤكد حضور المرأة المصممة في المشهد الإبداعي العُماني.
مشاركات إقليمية ودولية تعزّز الحوار الإبداعي
لم يقتصر أسبوع الموضة في مسقط على المواهب المحلية، بل فتح أبوابه أمام مصممين من العالم العربي والمنصات الدولية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الحوار الثقافي وتبادل الخبرات. فقدّم المصمم اللبناني إيليو أبو فيصل مجموعة جمعت بين فساتين السهرة والعبايات والقفاطين، بأسلوب كوتور خاص يعكس بصمته الفنية، في تجربة هي الأولى له في هذا النوع من التصاميم.
كما شهد الحدث حضور شخصيات بارزة في عالم الموضة، من بينها عارضات وخبراء وصنّاع محتوى، ما أضفى على العروض بُعد تفاعلي وساهم في نقل صورة شاملة عن تطوّر صناعة الأزياء في السلطنة إلى جمهور أوسع.
منصة فكرية: الموضة بين الإعلام والاقتصاد
إلى جانب العروض، شكّل أسبوع الموضة في مسقط مساحة معرفية ثرية من خلال جلسات حوارية وورش عمل متخصصة انطلقت منذ اليوم الأول. تناولت هذه الجلسات قضايا محورية مثل دور الإعلام في صياغة الاتجاهات، وتأثيره في مشهد الموضة في الشرق الأوسط، بمشاركة محررين وخبراء من أبرز المنصات الإعلامية.
كما برزت جلسة «الموضة كمحرّك اقتصادي»، التي ناقشت تحوّل الأزياء إلى قوة اقتصادية مؤثرة، ودورها في تنشيط قطاع التجزئة، وخلق فرص العمل، وتعزيز العلامات التجارية المحلية. وقد سلّطت الجلسة الضوء على العلاقة المتنامية بين الإبداع والاستدامة، وأهمية بناء منظومة مؤسسية قادرة على دعم المصممين وتحويل أفكارهم إلى مشاريع قابلة للنمو.
اليوم الثاني: فنية التعبير ومستقبل الاستدامة
حملت عروض اليوم الثاني طابعًا فنيًا أكثر عمقًا، حيث برزت الخطوط النحتية، والتفاصيل الحرفية المتقنة، والتجارب البصرية الجريئة. وقدّمت المصممة سارة شريبي مجموعة غنيّة بالخامات والتطريزات، مستوحاة من التراث المغربي، بصياغة معاصرة تخاطب المرأة العالمية، وتربط بين منصات العرض في باريس ومدرجات مسقط.
واختُتمت العروض بتصاميم حملت روح الجرأة والابتكار، من بينها عرض المصمم أحمد تلفيت، الذي خُتم بإطلالة لافتة ارتدتها مريم بوقديدة، جاءت بفستان أحمر وملامح شرقية واضحة، في تأكيد على أن الموضة في مسقط باتت مساحة مفتوحة للتعبير الفني والتجريب الإبداعي.
مسقط… وجهة جديدة على خريطة الموضة العالمية
مع هذه النسخة المتكاملة، يرسّخ أسبوع الموضة في مسقط مكانته كحدث يتجاوز مفهوم العروض التقليدية، ليصبح منصة ثقافية واقتصادية تجمع بين المعرفة، والحرفية، والرؤية المستقبلية. إنه إعلان واضح عن عودة مسقط إلى خريطة الموضة العالمية، ليس فقط كمدينة تستضيف العروض، بل كعاصمة ثقافية قادرة على إنتاج خطاب إبداعي أصيل ومؤثر.