لم يكن المشهد الذي خطفه إسماعيل الصيباري بعد تسجيله ركلة الترجيح الحاسمة أمام هولندا في دور الـ32 من كأس العالم 2026 مجرد احتفال عابر. فبينما اندفع زملاؤه للاحتفال بالتأهل، ركض نجم المنتخب المغربي مباشرة إلى المدرجات، حيث كانت والدته تنتظره، ليعانقها وسط دموع امتزجت فيها فرحة الإنجاز بذكريات رحلة طويلة من المعاناة.
ذلك العناق لم يكن احتفالاً بالفوز فقط، بل كان تتويجاً لقصة بدأت منذ الطفولة، حين اعتقد كثيرون أن هذا الطفل قد لا يتمكن حتى من المشي بصورة طبيعية.
بداية صعبة.. تشخيص غيّر حياة العائلة
ولد إسماعيل الصيباري وسط تحدٍ صحي كبير، بعدما أبلغ الأطباء والديه في سنواته الأولى بأنه يعاني مشكلة في ساقيه قد تمنعه من المشي بشكل طبيعي في المستقبل.
خضع الصيباري لجلسات علاج طويلة، واضطر إلى ارتداء جهاز تقويم خاص بالساقين لفترة من طفولته، فيما عاش والداه سنوات من القلق والخوف على مستقبله. وبين المراجعات الطبية والعلاج المستمر، كان الحلم بالنسبة إلى عائلته أن يتمكن طفلها من الركض واللعب مثل بقية الأطفال.
لكن ما بدا حينها مستحيلاً، تحول مع مرور الوقت إلى بداية قصة استثنائية.
كرة القدم.. بداية التحدي الحقيقي
رغم الصعوبات الجسدية التي واجهها في طفولته، لم يتخلَّ الصيباري عن شغفه بكرة القدم، بل جعل منها وسيلته لتحدي كل التوقعات.
ومع مرور السنوات، بدأ يستعيد قوته البدنية تدريجياً، قبل أن يلفت الأنظار بموهبته الكبيرة، لينتقل عبر مختلف المراحل العمرية حتى أصبح أحد أبرز المواهب المغربية المحترفة في أوروبا، ويشق طريقه إلى المنتخب المغربي الأول.
رحلة الصيباري لم تكن قائمة على الموهبة فقط، بل على إرادة تجاوز كل ما قيل له في طفولته، حين كانت التوقعات الطبية ترسم له مستقبلاً مختلفاً تماماً.
مونديال 2026.. البطولة التي صنعت الأسطورة
دخل إسماعيل الصيباري كأس العالم 2026 وهو أحد أبرز عناصر "أسود الأطلس"، لكنه خرج منها كأحد أكثر لاعبي البطولة إلهاماً.
وخلال دور المجموعات، سجل في ثلاث مباريات متتالية، ليصبح أول لاعب في تاريخ المنتخب المغربي وأول لاعب إفريقي يحقق هذا الإنجاز في كأس العالم، مؤكداً حضوره كأحد أبرز نجوم النسخة الحالية.
ولم يتوقف تألقه عند هذا الحد، إذ حمل مسؤولية تنفيذ إحدى أهم ركلات الترجيح أمام منتخب هولندا في دور الـ32، ونجح في تسجيل الركلة الحاسمة التي منحت المغرب بطاقة التأهل، قبل أن يتجه مباشرة نحو والدته في مشهد أصبح من أكثر لحظات البطولة تداولاً.
عناق الأم.. لحظة اختصرت عشرين عاماً
لم يحتج الصيباري إلى كلمات كثيرة بعد المباراة، فالعناق الذي جمعه بوالدته كان كفيلاً بسرد القصة كاملة.
فالمرأة التي رافقته في جلسات العلاج، وشاهدته يرتدي جهاز تقويم الساقين وهو طفل، كانت اليوم تراه يقود منتخب بلاده إلى إنجاز عالمي أمام أنظار الملايين.
وبين المشهدين، اختصرت سنوات طويلة من الصبر والإيمان بأن المستحيل قد يصبح حقيقة.
بايرن ميونيخ يكافئ تألقه بعقد طويل الأمد
ولم يتأخر الحصاد بعد المستويات الاستثنائية التي قدمها إسماعيل الصيباري في كأس العالم 2026، إذ أعلن نادي بايرن ميونيخ الألماني تعاقده رسمياً مع الدولي المغربي قادماً من آيندهوفن الهولندي بعقد يمتد حتى عام 2031.
وجاء انتقال الصيباري إلى العملاق البافاري بعد مونديال لافت، سجل خلاله ثلاثة أهداف في دور المجموعات أمام البرازيل وإسكتلندا وهايتي، وأسهم في قيادة المنتخب المغربي إلى الأدوار الإقصائية، قبل أن يواصل تألقه في مرحلة خروج المغلوب.
وبحسب تقارير صحفية، بلغت قيمة الصفقة نحو 50 مليون يورو، في خطوة تعكس المكانة التي وصل إليها اللاعب خلال فترة قصيرة، بعدما تحول من موهبة واعدة إلى أحد أبرز نجوم الكرة المغربية، ليبدأ فصلاً جديداً من مسيرته بقميص بايرن ميونيخ، حيث يستعد لخوض منافسات الدوري الألماني ودوري أبطال أوروبا.