بعد مرور ما يقارب ثلاثة عقود على وفاة الأميرة ديانا Princess Diana، لا يزال الأمير هاري Prince Harry يحمل آثار فقدان والدته التي رحلت عندما كان في الثانية عشرة من عمره، في تجربة تركت بصمتها على مشاعره وعلاقاته ونظرته إلى الحياة. وفي حديث شخصي جديد، يعود دوق ساسكس إلى سنوات طويلة من الحزن الذي لم يعرف كيف يعبّر عنه، كاشفاً كيف أخفى ألمه، ولماذا اعتقد أن التعافي قد يعني الابتعاد عن والدته، قبل أن يكتشف أن استعادة الذكريات ومواجهة الفقد كانتا جزءاً أساسياً من طريقه نحو التصالح مع نفسه.
الأمير هاري يتحدث عن وفاة الأميرة ديانا: "لم أبكِ إلا في جنازتها"
وفي دورة جديدة عبر منصة MasterClass بعنوان إعادة تعريف الحزن: بناء القدرة على الصمود من خلال الفقدان، يشارك فيها إلى جانب عالمة الأعصاب المتخصصة في الحزن الدكتورة ماري فرانسيس أوكونور، التي فقدت والدتها أيضاً بسبب السرطان. يشارك الأمير هاري تجربته مع الفقد، ضمن محتوى يسلّط الضوء على تأثير الحزن في الدماغ والجسد، وكيفية التعامل مع الخسارة واستعادة القدرة على مواصلة الحياة.
ويستعيد هاري اللحظات التي أعقبت وفاة والدته في حادث سيارة بباريس في 31 أغسطس 1997، موضحاً أنه لم يتمكن من البكاء عندما تلقّى خبر رحيلها، وأن دموعه لم تظهر إلا خلال مراسم دفنها، قبل أن تمرّ سنوات طويلة من دون أن يبكي مجدداً بسبب فقدانها.
ويقول الأمير هاري إنه اعتقد لفترة طويلة أن عدم إظهار مشاعره دليل على القوة، قبل أن يدرك حقيقة مختلفة تماماً: "كنت مقتنعاً بأن ذلك كان قوة، لكنه لم يكن كذلك. كان ذلك صبياً في الثانية عشرة من عمره لم يُسمح له بالانهيار، ولم يكن لديه دليل يرشدُه إلى كيفية التعافي".
وتكشف هذه الكلمات جانباً من التجربة التي عاشها طفلاً تحت أنظار العالم، في وقت لم يكن فيه قادراً على فهم مشاعره أو إيجاد مساحة آمنة للتعبير عنها.
زهور أمام قصر كنسينغتون وشعور بالذنب لعدم إظهار الحزن
ومن أكثر التفاصيل التي يستعيدها هاري من الأيام الأولى بعد وفاة والدته، مشهد آلاف الأشخاص الذين تجمعوا أمام قصر كنسينغتون ووضعوا الزهور تعبيراً عن حزنهم على رحيلها. وبعد خمسة أيام من الوفاة، خرج مع شقيقه الأمير ويليام Prince William لتحية المعزين، لكنه شعر حينها بأنهما يقفان في موقع الوسيط بين حزن الجمهور على ديانا ومشاعرهما الشخصية.
ويقول هاري إنه شعر بالغرابة أمام مئات الأيدي التي صافحها، بعدما كانت مبللة بالدموع التي مسحها أصحابها عن وجوههم، مضيفاً أنه شعر بالذنب لأنه لم يتمكن من إظهار القدر نفسه من الانفعال الذي أبداه أشخاص لم يلتقوا والدته يوماً.
ومع مرور الوقت، أدرك أن غياب الدموع لا يعني غياب الألم، بل إن الطفل الذي كانه لم يمتلك الأدوات اللازمة للتعامل مع خسارته، فاختار الانغلاق العاطفي من دون أن يدرك عواقب ذلك على المدى البعيد.
الأمير هاري ينسى صوت والدته وضحكتها بعد سنوات من الكبت
ولم يقتصر تأثير الفقد على صعوبة التعبير عن الحزن، إذ يكشف هاري أن محاولته إبعاد الذكريات المؤلمة أدت إلى ابتعاده أيضاً عن اللحظات الجميلة التي جمعته بوالدته.
ويقول إنه نسي كيف كان صوت ديانا، كما نسي ضحكتها، ولم يعد قادراً على تخيّل ملامحها بوضوح من دون النظر إلى صورة لها. ويشرح أن آلية الدفاع التي اعتمدها عقله وجسده لم تقتصر على إغلاق الباب أمام الذكريات السيئة، بل امتدت إلى الذكريات السعيدة أيضاً.
وفي محاولة لاستعادة هذا الجانب من ماضيه، نصحه معالجه النفسي بالحصول على عطر والدته وتجربته. وكانت النتيجة أشبه برحلة إلى زمن آخر، إذ أعادته الرائحة إلى ذكريات وتجارب اعتقد أنها أصبحت بعيدة المنال.
ويصف هاري التجربة بأنها ساعدته على فتح أبواب ظلت مغلقة داخله، لتصبح حاسة الشم وسيلة غير متوقعة لاستعادة جزء من علاقته بوالدته الراحلة.
تقرير سابق من ET بالعربي: الأمير هاري يختارأسلوب ديانا للإنتقام
الشعور بالذنب تجاه السعادة من دون الأميرة ديانا
ومن أكثر الاعترافات الشخصية التي يشاركها الأمير هاري، شعوره لسنوات بأن السعادة في غياب والدته قد تبدو نوعاً من الخيانة لها. فقد اعتقد أن عليه الاحتفاظ بالحزن والخدر العاطفي كي يثبت مدى اشتياقه إليها، وخشي أن يؤدي التعافي من الفقد إلى إضعاف الصلة التي تجمعه بها.
ويقول إنه عاش فترة طويلة وهو يشعر بالذنب لمجرد التفكير في إمكانية أن يكون سعيداً من دونها، قبل أن تتغير نظرته تدريجياً ويكتشف أن الاحتفاظ بذكراها لا يتطلب منه البقاء أسيراً للحزن.
ويضيف أن إدراكه أن والدته كانت تريد له أن يكون سعيداً شكّل تحولاً كبيراً في تفكيره، ومنحه حرية النظر إلى الحياة بطريقة مختلفة.
وتكشف هذه التجربة كيف تحوّل الحزن بالنسبة إلى هاري من شعور يحاول إخفاءه إلى تجربة بات مستعداً لفهمها والتحدث عنها، من دون أن يعني ذلك أن علاقته بذكرى والدته أصبحت أقل حضوراً.
ورغم المسافة الزمنية التي تفصله عن وفاة والدته، يؤكد هاري أن حضورها لا يزال جزءاً من حياته اليومية، سواء من خلال ذكرياته الشخصية أو العمل الذي يختار تكريس جهده له.
ويقول إنه يشعر بأن الكثير من والدته أصبح حاضراً داخله، خصوصاً خلال السنوات الست الأخيرة، مشيراً إلى أن أحداثاً مهمة في حياته جعلته يشعر بوجودها في لحظات يراها ذات معنى بالنسبة إليه.
كما يتحدث عن احتفاظه بصورة مؤطرة لديانا، ينظر إليها في أوقات كثيرة، ويتساءل عمّا قد تفكر فيه بشأن ما يفعله في حياته اليوم. ويصف عينيها وابتسامتها بأنهما يمنحانه شعوراً بالارتباط بها، موضحاً أنه يجد نفسه أحياناً يتأمل تعابير وجهها وكأنه ينتظر منها إشارة، رغم أن الصورة تبقى على حالها.
ويكشف أيضاً أنه يلجأ إليها طلباً للتوجيه في الأوقات الصعبة، في حديث يعكس الطريقة التي يحافظ بها على صلته بذكراها، من دون أن ينكر حقيقة رحيلها.
وبالنسبة إلى هاري، لم تعد العلاقة بوالدته مقتصرة على استعادة الماضي، بل أصبحت جزءاً من فهمه لنفسه وللعمل الذي يريد أن يترك من خلاله أثراً إيجابياً.
إرث Diana حاضر في اختيارات Prince Harry
وفي سياق حديثه عن تأثير والدته، يشير هاري إلى أن رغبته في حماية إرثها دفعته إلى الاهتمام بقضايا إنسانية وخيرية تشبه تلك التي كانت تحظى باهتمامها. ويقول إنه يأمل أن تكون والدته فخورة بكل ما يفعله وبالجهد الذي يكرّسه للمشروعات التي يؤمن بها.
كما يتحدث عن أهمية عائلته، ولا سيما زوجته ميغان ماركل Meghan Markle وطفليهما آرتشي وليليبت، في تحقيق التوازن بين حياته المهنية والشخصية، مؤكداً أن السعادة التي يجدها في قضاء الوقت مع أطفاله تشكل عاملاً أساسياً في حياته.
ويضيف أن من القواعد التي يعتمدها ألا يبتعد عن زوجته وطفليه لأكثر من عشرة أيام، في محاولة للحفاظ على مساحة تجمع بين دوره كأب وزوج والتزاماته العملية.