اختتمت فعاليات الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي بتتويج الفيلم الوثائقي «نازا» (NAZA) بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، التي تُعد بمثابة الميدالية البرونزية في مهرجان البندقية،، بعد أن أثار العمل اهتماماً واسعاً منذ عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية.
الفيلم من إخراج الصحفيين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، ويتناول من خلال شهادات جنود وضباط استخبارات إسرائيليين آليات عمل منظومة الاستهداف العسكري خلال الحرب في غزة، مع التركيز على استخدام المراقبة الرقمية والبيانات والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف.
«نازا».. تحقيق سينمائي داخل منظومة الاستهداف
وخلال تسلمه الجائزة، قال أبراهام إنه خلال الأيام العشرة التي مرت منذ انطلاق المهرجان، «قتلت إسرائيل ما لا يقل عن ستة أطفال فلسطينيين في غزة».
وأضاف أمام الحضور: «تحدث إلينا ضباط الاستخبارات الإسرائيليون الذين قابلناهم عن كيفية كون هذا القتل الجماعي ممنهجًا: ليس عن طريق الخطأ، بل بتخطيط مسبق، من خلال عمليات قتل وسياسات قائمة على التجريد الكامل للفلسطينيين من إنسانيتهم».
وتُمنح جائزة لجنة التحكيم الخاصة سنويًا من جانب لجنة التحكيم لتكريم عمل فني متميز، لكنها تأتي في ترتيب الجوائز بعد جائزتي الأسد الذهبي والأسد الفضي.
وقال أبراهام أثناء تسلّمه الجائزة: «بصراحة، ليس من السهل على الإطلاق أن أقف هنا وأنا أفكر في جميع السياسيين والصحفيين الإسرائيليين الذين يهاجمون هذا الفيلم الآن وينكرون ما يرد فيه من دون حتى مشاهدته. هناك الكثير مما يُفعل من أجل عدم النظر إلى الواقع».
يقدم الفيلم روايته من خلال مقابلات مع 24 من عناصر الاستخبارات والجيش الإسرائيلي، تحدثوا عن تجربتهم في تشغيل أنظمة المراقبة والاستهداف بمساعدة الذكاء الإصطناعي لتصفية وقتل المئات من المدنيين في قطاع غزة.
وصُورت المقابلات على مدار نحو ثلاثة أعوام في مواقع سرية داخل تل أبيب، فيما لجأ فريق العمل إلى تغيير أصوات المشاركين وملامحهم رقمياً للحفاظ على هوياتهم.
وتتناول الشهادات الواردة في الفيلم آليات جمع البيانات من الهواتف، ومراقبة الاتصالات، وتحديد مواقع الأشخاص المستهدفين، وصولاً إلى اتخاذ قرار تنفيذ الغارات.
ماذا يعني اسم الفيلم «نازا»؟
يرتبط عنوان العمل بمصطلح عسكري إسرائيلي يُستخدم للإشارة إلى عدد المدنيين الذين يُتوقع مقتلهم خلال استهداف موقع معين باعتبارهم «أضراراً جانبية».
ويضع الفيلم هذا المفهوم في صلب تحقيقه، متابعاً الطريقة التي يمكن من خلالها تحويل الخسائر البشرية المتوقعة إلى أرقام تدخل ضمن عملية اتخاذ القرار بشأن بعض الضربات.
وبحسب الشهادات التي يقدمها العمل، لم تكن المنازل والأماكن المدنية خارج نطاق عمليات الاستهداف، فيما تحدث المشاركون عن معرفة القائمين على بعض العمليات بوجود أفراد من عائلات الأشخاص المستهدفين داخل المواقع التي تعرضت للقصف.
25 دقيقة من التصفيق بعد العرض الأول
لم يقتصر حضور «نازا» في فينيسيا على الجائزة التي حصل عليها، إذ لفت الفيلم الأنظار أيضاً بعد عرضه العالمي الأول، عندما استمر تصفيق الجمهور لنحو 25 دقيقة.
وجاء هذا الاستقبال في ظل منافسة الفيلم على «الأسد الذهبي»، قبل أن تذهب الجائزة الرئيسية في المهرجان إلى فيلم آخر.
وشهد العرض تفاعلاً سياسياً لافتاً، إذ رفع عدد من الحاضرين الأعلام الفلسطينية عقب انتهاء الفيلم، في مشهد عكس طبيعة الموضوع الذي يتناوله العمل وحضوره ضمن واحدة من أبرز المهرجانات السينمائية الدولية.
من «لا أرض أخرى» إلى «نازا»
يمثل الفيلم محطة جديدة في مسار يوفال أبراهام وراشيل زور، بعد مشاركتهما في فيلم «لا أرض أخرى» (No Other Land)، الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025، بالتعاون مع المخرجين الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال.
لكن «نازا» ينتقل إلى مساحة مختلفة؛ فبدلاً من توثيق عمليات الهدم والتهجير من منظور السكان المتضررين، يحاول الدخول إلى الجانب الداخلي من منظومة الاستهداف العسكرية عبر شهادات أشخاص شاركوا في تشغيلها.
ويركز المخرجان على السياسات والإجراءات التي تحكم هذه المنظومة، بدلاً من اختزال القضية في مواقف الأفراد أو مشاعرهم الشخصية تجاه ما حدث.
إشادة من كوثر بن هنية بوثائقي غزة «نازا» الفيلم الوحيد في المسابقة الرسمية
وخلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب حفل توزيع الجوائز، يوم السبت، أشادت عضو لجنة التحكيم كوثر بن هنية بتوثيق الفيلم لأحداث لا تزال تتكشف في خضم الحرب، وقالت المخرجة التونسية: «تمكّن هذان المخرجان المبدعان من إيجاد طريقة لتصوير الشهادات بشكل مجهّل الهوية، رغم القيود المفروضة على عملية التصوير».
وأضافت: «الأمر لا يتعلق بمشاعرهم، بل هم مجرد تروس في آلة أكبر. وجدت هذا العمل عبقريًا، وضروريًا، ومهمًا للغاية في وقت يكثر فيه الحديث عن الإنكار.
«كما أن الفيلم يوثّق تاريخًا يتشكل أمام أعيننا. الإبادة الجماعية لا تزال مستمرة. وهذا أمر يتطلب شجاعة. وقد قدّما العمل بأسلوب سينمائي قوي جدًا. لذلك أرى أنه من المهم الاعتراف بشجاعة الفيلم ورؤيته، وكذلك بأهميته».
كان «نازا» الفيلم الوثائقي الوحيد الذي شارك في المسابقة الرسمية للدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي.
ويبلغ طول الفيلم 80 دقيقة، وهو إنتاج بريطاني ناطق بالعبرية والإنجليزية، ويستند إلى تحقيقات صحفية وشهادات جرى جمعها على مدى سنوات.
وبحصوله على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، يختتم «نازا» مشاركته في فينيسيا بتتويج سينمائي، بعدما تحول عرضه الأول إلى واحدة من أكثر لحظات الدورة إثارة للنقاش والتفاعل الجماهيري.